الجصاص

460

أحكام القرآن

واجبا ، قد كان يتوضأ لكل صلاة ويفعل أشياء على وجه الاحتياط لا على وجه الوجوب ، وحديث يوسف بن أسباط الذي ذكرنا فيه نص على إيجابها فرضا . فإن قيل : ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث فرضا ، وأنت لا تقول به . قيل : ظاهره يقتضي كون الثلاث فرضا ، وقد قامت الدلالة على سقوط فرض الاثنين وبقي حكم اللفظ فيما وراءه ، ويدل عليه من جهة النظر أن المفروض في غسل الجنابة غسل الظاهر والباطن مما يلحقه حكم التطهير ، بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر لأنها يلحقها حكم التطهير لو أصابتها نجاسة ، فكذلك يلزمه تطهير داخل الفم والأنف لهذه العلة . فإن قيل : فيجب على هذا غسل داخل العينين لهذه العلة . قيل له : لو أصاب داخل عينيه نجاسة لم يلزمه تطهيرها ، هكذا كان يقول أبو الحسن ، وأيضا فليس في داخل العينين بشرة ، وإنما يلزم في الجنابة تطهير البشرة . فإن قيل : لما كان داخل العينين باطنا ولم يلزم تطهيره وجب أن يكون كذلك حكم داخل الأنف والفم . قيل له : وكيف صار داخل العينين باطنا ؟ فإن أردت به أنه ينطبق عليهما الجفن ، فذلك موجود في الإبطين لأنهما ينطبق عليهما العضد ولا خلاف في لزوم تطهيرهما في الجنابة . ولا يلزمنا في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الوضوء لأجل إيجابنا لهما في الجنابة ، وذلك لأن الآية في إيجاب الوضوء إنما اقتضت غسل الوجه ، والوجه هو ما واجهك ، فلم يتناول داخل الأنف والفم ، والآية في غسل الجنابة قد أوجبت تطهير سائر البدن من غير خصوص ، فاستعملنا الآيتين على ما وردتا . والفرق أيضا بينهما من جهة النظر أن الواجب في الوضوء غسل الظاهر دون الباطن ، بدلالة أنه لا يلزمنا فيه إبلاغ الماء أصول الشعر ، فلذلك لم يلزم تطهير الفم وداخل الأنف ، وفي الجنابة عليه غسل الباطن من البشرة بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر ، وبهذا نجيب عن قوله صلى الله عليه وسلم : " عشر من الفطرة : خمس في الرأس ، وخمس في البدن " فذكر في الرأس المضمضة والاستنشاق ، فنحمله على أنه مسنون في الطهارة الصغرى ونفرق بينه وبين الجنابة بما ذكرنا ، والله أعلم . باب التيمم قال الله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو